القرطبي

259

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الفاء جاز أن ترفعها بالابتداء ، وأن ترفعها على ما لم يسم فاعله ، أي كتب عليكم الوصية . ولا يصح عند جمهور النحاة أن تعمل " الوصية " في " إذا " لأنها في حكم الصلة للمصدر الذي هو الوصية وقد تقدمت ، فلا يجوز أن تعمل فيها متقدمة . ويجوز أن يكون العامل في " إذا " : " كتب " والمعنى : توجه إيجاب الله إليكم ومقتضى كتابه إذا حضر ، فعبر عن توجه الايجاب بكتب لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل . ويجوز أن يكون العامل في " إذا " الايصاء يكون مقدرا دل على الوصية ، المعنى : كتب عليكم الايصاء إذا . الرابعة - قوله تعالى : " خيرا " الخير هنا المال من غير خلاف ، واختلفوا في مقداره ، فقيل : المال الكثير ، روي ذلك عن علي وعائشة وابن عباس وقالوا سبعمائة دينار إنه قليل . قتادة عن الحسن : الخير ألف دينار فما فوقها . الشعبي ما بين خمسمائة دينار إلى ألف . والوصية عبارة عن كل شئ يؤمر بفعله ويعهد به في الحياة وبعد الموت . وخصصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت ، والجمع وصايا كالقضايا جمع قضية . والوصي يكون الموصي والموصى إليه ، وأصله من وصى مخففا . وتواصى النبت تواصيا إذا اتصل . وأرض واصية : متصلة النبات . وأوصيت له بشئ وأوصيت إليه إذا جعلته وصيك . والاسم الوصاية والوصاية ( بالكسر والفتح ) . وأوصيته ووصيته أيضا توصية بمعنى ، والاسم الوصاة . وتواصى القوم أوصى بعضهم بعضا . وفي الحديث : ( استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان ( 1 ) عندكم ) . ووصيت الشئ بكذا إذا وصلته به . الخامسة - اختلف العلماء في وجوب الوصية على من خلف مالا ، بعد إجماعهم على أنها واجبة على من قبله ودائع وعليه ديون . وأكثر العلماء على أن الوصية غير واجبة على من ليس قبله شئ من ذلك ، وهو قول مالك والشافعي والثوري ، موسرا كان الموصى أو فقيرا . وقالت طائفة : الوصية واجبة على ظاهر القرآن ، قال الزهدي وأبو مجلز ، قليلا كان المال أو كثيرا . وقال أبو ثور : ليست الوصية واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال

--> ( 1 ) عوان ( جمع عانة ) : وهي الأسيرة . يقول : إنما هن عندكم بمنزلة الأسرى .